القائمـة البريدية
أدخل عنوان بريدك ليصلك جديدنا

المكتبة السمعية
المكتبة المرئية
منزلةُ العلمِ في الإسلامِ
بتاريخ 10 ديسمبر 2012
سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

منزلةُ العلمِ في الإسلامِ

 

    الحمدُ للهِ الواسعِ العليمِ ، الخالقِ الحكيمِ ، } الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ { ( العلق/4 ـ 5) ، سبحانه أنزلَ على عبدِهِ ذكراً حكيماً ؛ ليهديَ به عبادَهُ صراطاً مستقيماً ، أحمدُهُ تعالى بما هو له أهلٌ من الحمدِ وأُثني عليه ، وأستغفرُه من جميعِ الذنوبِ وأتوبُ إليه ، وأؤمنُ به وأتوكّلُ عليه ، منْ يهدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ، ومنْ يُضللْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له } هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ { ( الجمعة/2) ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه ، وصفيُّه من خلقِه وخليلُه ، أرسله إلى خلقِهِ بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى اللهِ بإذنِه وسراجاً منيراً ، فبلّغَ الرسالةَ ، وأدّى الأمانةَ ، ونصحَ الأمةَ ، وكشفَ الغمةَ ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِكَ ورسولِكَ سيدِنا محمدٍ ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ، وعلى كلِّ من اهتدى بهديه ، واستنَّ بسنتِهِ ، وسارَ على نهجِهِ ، ودعا بدعوتِهِ إلى يومِ الدِّينِ ، أما بعدُ :

   فيا عبادَ اللهِ :

    إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لم يخلقِ الإنسانَ سُدى ، ولم يتركْه هملاً ، بل خلقَهُ ليضطلعَ بأمانةٍ كُبرى ثقُلتْ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ ، فأبينَ أنْ يحملنْها ، وأشفقنَ منها ، وحملها الإنسانُ ، إنَّه كان ظلوماً جهولاً ، هذه الأمانةُ لا يستطيعُ الإنسانُ أن يضطلعَ بأعبائِها ، ويقومُ بها حقَّ قيامِها إلا ببيّنةٍ من ربِّهِ ، ونورٍ في حياتِهِ يستبصرُ به فيما يأتي وفيما يذرُ ، فاللهُ سبحانه خلقَ الإنسانَ ليكونَ خليفةً في الأرضِ ، فهو عبدٌ كريمٌ عند اللهِ تعالى ، وهو في نفسِ الوقتِ سيدٌ كريمٌ في هذا الكونِ ، فاللهُ تعالى سخَّرَ له منافعَ هذا الكونِ بأسرِهِ من أجلِ أن يسخّرَ هو حياتَهُ للهِ تعالى ، وبذلك يكونُ عبداً كريماًً عند اللهِ ، ومن أجلِ ذلك كان الإنسانُ بحاجةٍ إلى بيّنةٍ فيما يأتيه وما يذرُهُ ، فلم يتركْ له الحبل على غاربِهِ ليتخبّطَ في شهواتِهِ ورغباتِهِ بحسبِ ما يُملي عليه هواه ، وإنما عليه أن يضبِطَ نفسَهُ ويضبِطَ كلَّ حركةٍ من حركاتِهِ بمُوجبِ حكمِ اللهِ تعالى ؛ بحيثُ تكونُ حياتُه مسخرةً لأمرِ اللهِ ، فلا يخرجُ في شيءٍ من تصرفاتِهِ وأعمالِهِ عن إطارِ حكمِ اللهِ ، ومن أجلِ أنَّ الإنسانَ أُنيطتْ به هذه المسؤوليةُ العظيمةُ ، وهي مسؤوليةُ الخلافةِ في الأرضِ والسيادةِ في الكونِ ؛  كان بحاجةٍ إلى العلمِ ، واللهُ سبحانه وتعالى بيّن في محكمِ كتابِهِ الكريمِ ـ عندما ذكر مبدأَ خلْقِ الإنسانِ ـ أنَّ الإنسانَ شُرِّفَ على غيرِهِ بالعلمِ ، ومن أجلِ ذلك استحقَّ أن يكونَ خليفةً في هذه الأرضِ ، فاللهُ تعالى يقولُ : } وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ { ( البقرة/30 ـ 33) .

   وليس إيلاءُ اللهِ سبحانه وتعالى الإنسانَ هذه الكرامةَ العظيمةَ ؛ بحيث جعله يعلمُ ما لا تعلمُه الملائكةُ إلا بسببِ أنه مطالبٌ بأن يتفاعلَ مع هذا الكونِ ، ولا يمكنُ أن يتفاعلَ معه إلا إذا كان عالماً بأسماءِ مفرداتِهِ ليتمَّ له ما أريدَ من أجلِه من التفاعلِ مع هذه المفرداتِ ، وليعلمَ من بعدِ ذلك أحكامَ اللهِ سبحانه وتعالى فيها، فيتصرّف في كلِّ شيءٍ وفقَ حكمِ اللهِ وأمرِهِ ونهيهِ، وكما أنَّ تكريمَ اللهِ سبحانه وتعالى لأبي البشرِ كان بسببِ العلمِ فإنَّ اللهَ تعالى كرَّم ذريتَهُ بالعلمِ ، فقد قال عزَّ من قائلٍ : } هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {( الزمر/9) ، ويقولُ تعالى : } وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ { ( العنكبوت/43) .

     وقد أنزلَ اللهُ كتبَه وأرسلَ رسلَه من أجلِ تبصيرِ الإنسانِ بما يأتيه وما يذرُه ، وعندما شاءَ اللهُ أن يُتِمَّ على عبادِه النعمةَ ، وأن يُكمِلَ لهم الدِّينَ بعثَ رسولَه محمداً  صلى الله عليه وسلم  ، وكان أولُ ما أُنزِلَ عليه  صلى الله عليه وسلم  مؤذِناً بأن هذه الرسالةَ التي بُعِث بها ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ـ هي رسالةُ علمٍ ، فهي جاءتْ لتبدّدَ ظلماتِ الجهلِ ، وتبصّرَ الإنسانَ بما يأتيه وما يذرُه ، فأوّلُ ما أنزلَ اللهُ تعالى على عبدِه ورسولِه محمدٍ  صلى الله عليه وسلم  : } اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ { {العلق/1 ـ 5} ، وليسَ إنزالُه قولَه اقرأْ أولَ ما أَنزلَ إلا لأجلِ الدَّلالةِ أنَ الناسَ مُطالَبون بأن يتعلّموا ، فإن اللهَ تعالى لم يخاطِبْ رسولَه  صلى الله عليه وسلم  بقولِه افهمْ أو بقولِه اعلمْ أو بقولِه أدركْ أو نحوِ هذه الكلماتِ ، وإنما خاطبَه بقولِه اقرأْ ، وفي ذلك ما يدلُّ على أن هذه الرسالةَ رسالةُ قراءةٍ ، فالنبيُّ  صلى الله عليه وسلم  وإن كان أميّاً إلا أنّ أمّتَه مطالبةٌ بأن تقرأَ وتكتبَ ، وأن تدوِّنَ العلمَ حتى تُحافِظَ عليه ، ومن أجلِ ذلك كان تدوينُ العلمِ مما يُثابُ عليه العبدُ عند اللهِ سبحانه وتعالى في الدارِ الآخرةِ ، وقد جاء في الحديثِ عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  : « رسْمُ المِدادِ في ثوبِ أحدِكم إذا كان يكتبُ به علْماً كالدمِ في سبيلِ اللهِ ، ولا يزالُ ينالُ به الأجرَ ما دام ذلك الرسمُ في ثوبِه » ، وما ذلك إلا لأجلِ حضِّ الناسِ على التعلّمِ ، وحضِّهم على التدوينِ ، وحضِّهم على قراءةِ ما دُوِّنَ .

    هذا .. وقد أنزلَ اللهُ سبحانه وتعالى على نبيِّه  صلى الله عليه وسلم  قراءناً حكيماً ، فرقاناً بين الحقِّ والباطلِ ، فيه تبصيرٌ للإنسانِ بما يعملُه وما يتركُه ، وما يُقدِمُ عليه وما يُحجِمُ عنه ، فهو يبصّرُ الإنسانَ بعقيدتِه ، وهو يبصِّرُ الإنسانَ بعبادتِه لربِّه ، وهو يبصِّرُ الإنسانَ بعلاقاتِه مع بني جنسِه ؛ سواءً كانت هذه العلاقةُ علاقةَ أقربين أو كانت علاقةَ أبعدين ، فإنّ القرآنَ الكريمَ وضعَ كلَّ شيءٍ موضِعَه ، وبوّأَ كلَّ أمرٍ مُبوّأَه ، وعرّفَ الإنسانَ ما يأتي وما يذرُ ، وما كانت فيه من مُبهماتٍ فقد فصّلتْه سنةُ النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  ، فاللهُ تعالى وكَلَ إلى رسولِه  صلى الله عليه وسلم  تبيينَ ما أُجمِلَ من القرآنِ ، وإيضاحَ ما أُبهِم ؛ لأنه ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ أعلمُ الناسِ بمقاصدِ التنزيلِ ومسالكِ التأويلِ ، وقد قالَ اللهُ تعالى : } وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ { ( النحل/44) ، ومِن هنا كان جديراً بالإنسانِ أن يستلهِمَ الحُكْمَ في كلِّ شيءٍ من كتابِ اللهِ ومن سنةِ رسولِه  صلى الله عليه وسلم  التي هي في الحقيقةِ تفصيلٌ لهذا القرآنِ الكريمِ.

     هذا .. ولا ريبَ أنّ القرآنَ الكريمَ جاء محذِّراً للإنسانِ من أن يُقدِمَ على شيءٍ  لا يعلمُ حُكْمَه ، فاللهُ تعالى يقولُ : } وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً { ( الإسراء/36) ، وكما أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى حذّرَ من العملِ بغيرِ علمٍ شدّدَ التحذيرَ في الإقدامِ على القولِ بغيرِ علمٍ ، بل قرنَ ذلك بالإشراكِ، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ في محكمِ كتابِه العزيزِ : } قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ { ( الأعراف/33) ، فليسَ للإنسانِ أن يقولَ على اللهِ ما لا يعلمُ ، فإنَّ ذلك من أكبرِ الكبائرِ ؛ لأنَّ أثرَ ذلك يتعداه إلى غيرِه ، فالناسُ قد يغترّون بقولِه ، ويصدِّقونه في دعواه ، ويتّبِعون جهالتَه ، فمِن هنا كان ذكرُ القولِ بغير علمٍ إثماً كبيراً ، فقد جاء في الروايةِ عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  : « مَن أفتى مسألةً أو فسّرَ رؤيا بغيرِ علمٍ كانَ كمَن خرَّ من السماءِ إلى الأرضِ ، فصادفَ بئراً لا قعرَ لها ولو أنّه وافقَ الحقَّ » ، فإذا كان هذا مع موافقةِ الحقِّ فكيف مع مخالفةِ الحقِّ ، فجديرٌ بالإنسانِ إذاً أن يستبصِرَ ، وأن لا يُقدِمَ على قولٍ إلا ببينةٍ من اللهِ تباركَ وتعالى ،كما أنه جديرٌ به أن يضبِطَ جميعَ خطواتِه، وأن يُقيّدَ جميعَ حركاتِه بأحكامِ اللهِ ، وعندما يقعُ التنازعُ لا بدَّ من الاحتكامِ إلى اللهِ وإلى رسولِه  صلى الله عليه وسلم  ، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ : } فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً { ( النساء/59) ، والردُّ إلى اللهِ إنما هو بالردِّ إلى كتابِه ، والردُّ إلى رسولِه  صلى الله عليه وسلم   إنما يكونُ بالردِّ إلى سنتِه ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ بعدما انتقل ـ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه ـ إلى الرفيقِ الأعلى .

     ومن أجلِ ضرورةِ العلمِ للإنسانِ بيّنَ النبيُّ  صلى الله عليه وسلم  أنّ الخيرَ منوطٌ بالفقهِ في دينِ اللهِ ، فقد قال ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ : « مَن يُرِدِ اللهُ به خيراً يفقّهْهُ في الدِّينِ » ، فالذي يريدُ اللهُ تعالى به خيراً يفقّهْه في الدينِ ويُلهمْه رُشدَه ؛ بحيثُ لا يتجاوزُ حدودَ ما أنزلَ اللهُ في جميعِ تصرفاتِه وفي جميعِ أعمالِه ، ولا يقولُ شيئاً بغيرِ بيّنةٍ من اللهِ تباركَ وتعالى، والفقهاءُ في دينِ اللهِ هم بمنزلةِ الرُّبانِ الذي يقودُ سفينةَ هذه الحياةِ بين الأمواجِ المتلاطمةِ والأعاصيرِ العاتيةِ إلى برِّ الأمانِ ، فجديرٌ بالإنسانِ أن يقِفَ عند حدودِ ما يبصّرُه به الفقهاءُ عندما يكونُ غيرَ دارٍ بأحكامِ اللهِ، وجديرٌ به أن لا يتخبّطَ في جهلِه ، وأن لا يتعسّفَ في ضلالتِه ، بل عليه أن يسألَ عمّا لا يعلمُ ، فإن شفاءَ العِيِّ السؤالُ، وليس له أن يُقدِمَ على شيءٍ بمجرّدِ أنَّ نفسَه تميلُ له وتطمئِنُّ إليه ؛ فإنّ العبرةَ ليس باطمئنانةِ النفسِ ، فقد تطمئِنُّ النفسُ إلى الحرامِ ، ومع وجودِ المعبِّرين الذين يبيّنون للإنسانِ الفارقَ بين الحلالِ والحرامِ يجبُ الرجوعُ إليهم ، ولا يجوزُ للإنسانِ أن يظلَّ سائراً في غيِّه غيرَ مُبالٍ بما يأتيه وما يذرُه.

     فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، وتبيّنوا مسالكَ هذه الحياةِ ؛ فإنّ الإنسانَ بقدْرِ ما يسلكُ في حياتِه هذه يكونُ منقلبُه في الدارِ الآخرةِ ، فالعملُ مربوطٌ بالجزاءِ ، والدنيا موصولةٌ بالآخرةِ ، فاتقوا اللهَ في سريرتِكم وفي علانيتِكم ، وتعلّمُوا مِن أمرِ دينِكم بقدْرِ ما تعبدون اللهَ تعالى على بصيرةٍ ، وبقدْرِ ما تستلهِمون أحكامَ اللهِ في كلِّ ما تأتونه وتذرونه . أقولُ قولي هذا ، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ  لي ولكم ، فاسْتغفِرُوا اللهَ يغفِرْ لكم ؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ ، وادعوه يستجِبْ لكم ؛ إنه هو البرُّ الكريمُ .

*         *          *

 الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، والعاقبةُ للمتقين ، ولا عدوانَ إلا على الظالمين ، أحمدُه تعالى بما هو له أهلٌ من الحمدِ وأشكرُه ، وأتوبُ إليه من جميعِ الذنوبِ وأستغفرُه ، وأؤمنُ به ولا أكفرُه ، وأعادي من يكفرُه ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له ، وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وباركْ على عبدِكَ ورسولِكَ سيدِنا محمدٍ ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين ، وعلى أتباعِه وحزبِه إلى يومِ الدينِ ، أما بعْدُ :

    فيا عبادَ اللهِ :

     اتقوا اللهَ ، واعلموا أنّكم مسؤولون عمّا تأتون وما تذرون ، ولئِنْ كانَ الإنسانُ مسؤولاً عن عملِه فإنه أيضاً مسؤولٌ عن علمِه ؛كما جاءَ في الحديثِ عن النبيِّ  صلى الله عليه وسلم  في بيانِه ـ عليه أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ـ ما يُسألُ عنه العبدُ يومَ القيامةِ ومن ذلك : « وماذا عَمِلَ فيما عَلِمَ » ، فإنّ الإنسانَ مسؤولٌ عمّا يعملُه فيما يعلمُه ، وترونَ في كتابِ اللهِ ما يدلُّ على أنّ الذين لا ينتفِعون بعلمِهم مثَلُهم مثَلٌ حقيرٌ دنيءٌ قميءٌ ، فاللهٌ تعالى يقولُ في بني إسرائيلَ : } مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ { ( الجمعة/5) ، ولئِنْ كانَ هذا المثَلُ من حيثُ لفظُه في بني إسرائيلَ فإنَه في معناه يشملُ كلَّ مَن كانَ على طريقتِهم ، فاتقوا اللهَ يا عبادَ اللهِ ، واحرصُوا على العلمِ فيما تعملُون ، واحْرِصُوا على العملِ بما تعلمون .